“علبة كحك بـ39 ألف جنيهًا” هكذا انتشر بين عشية وضحاها على منصات التواصل الاجتماعي، الإعلان الجديد لإحدى العلامات التجارية الرائدة في صناعة الحلوى، تمهيدًا لموسم عيد الفطر المبارك الذي يستعد له المواطن المصري بشراء هذه المنتجات تعبيرًا عن تقاليد متوارثة وحافظ عليها على مر السنين.
وعلى الرغم من السعادة باستقبال العيد، جاء وقع كلمة “علبة كحك بـ39 ألف جنيهًا” صادمًا، لا سيما في توقيت شائك بعد ارتفاع أسعار البنزين في مصر، والتبعات المنتظرة لهذا القرار من زيادة في أسعار السلع والمنتجات الأساسية. فكيف يمكن للمواطن البسيط أن يشتري علبة كحك بـ39 ألف جنيهًا لأنها في علبة ذكية تخبرك بصوت ذكاء اصطناعي “عيد سعيد” أو “كل عام وأنتم بخير”؟
“علبة كحك بـ39 ألف جنيهًا”: الأصالة وجهًا لوجه أمام التسويق الاستفزازي
الأمر أبسط من هذا الرقم بكثير. وعلى الجانب الاستهلاكي، فإن أسعار الكحك في مصر قد تنوعت بحسب نوعه ومكوناته بين 150 إلى 400 جنيهًا للكيلو. لكن في الواقع، إن ما حدث عند إطلاق الإعلان عن هذه العلبة الذكية لشراء الكحك، ما هو إلا استراتيجية تسويقية بحتة، تخضع لعدة قواعد وقوانين معروفة. نعم، يوجد ما يعرف باسم “التسويق الاستفزازي” (Provocative Marketing) وهو أسلوب تسويقي يعتمد على إثارة الجدل أو صدمة الجمهور أو استفزازه فكريًا أو عاطفيًا بهدف جذب الانتباه السريع للعلامة التجارية – وكما درسنا أكاديميًا منذ سنوات “لا وجود لبروباجندا خاطئة، فالأمر يصيب الهدف كل مرة” – وفي حالة “علبة الكحك” هذه، فإن العلامة التجارية قررت الاستعانة ببعض صانعي محتوى الطبخ الموثوق فيهم لدى الجمهور، نظرًا لأسلوبهم المهذب أو قدرتهم على جذبهم من خلال الكوميديا والمحتوى اللائق. وهنا كانت الصدمة!
عهد الجمهور هؤلاء الفئات على المصداقية في تقديم المحتوى، لكن في هذه الحالة – وعلى الرغم من مراعاة المصداقية، شعر الجمهور بفجوة مادية واجتماعية مع صناع المحتوى ممن كانوا يعتقدون أنهم يمثلونهم. وتعد هذه الظاهرة معروفة في دراسات الإعلام والتسويق الرقمي. إذ يحدث ذلك عندما ينتقل صانع المحتوى من صورة الشخص العادي القريب من الجمهور إلى صورة المؤثر الثري أو النخبوي.
من هنا، كان لا بد لبعض صناع المحتوى أن يقدموا شرحًا وافيًا للجمهور حول سبب انخراطهم في حملة “علبة كحك بـ39 ألف جنيهًا”، بهدف الحفاظ على وتيرة التفاعل معهم. وتؤكد دراسات حديثة حول تصرفات الجمهور أنه يتفاعل أكثر مع الشخص الذي يستطيع التماثل معه اجتماعيًا واقتصاديًا إذ يخلق علاقة شبه اجتماعية بين الطرفين. وبالتالي، عندما يصبح المؤثر بعيدًا عن نمط حياة الجمهور، يقل هذا التماهي.بمعنى آخر، كلما شعر الجمهور أن المؤثر يشبههم في نمط الحياة أو القيم أو المستوى الاجتماعي، أصبحت العلاقة أقوى والعكس صحيح.
وبعد أن تدارك بعض المؤثرين وصناع محتوى الطبخ، موجة إثارة الجدل والسخط التي أطلقوها بسبب التعليقات والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الأصالة سيد الموقف. وهذه الأخرى ليست سوى استراتيجية تسويقية تعتمد على تعزيز ثقة الجمهور والاقتراب منهم بآراء صريحة وواضحة، بهدف الحفاظ على هذا التفاعل. فعندما يشعر الجمهور بأن المؤثر لم يعد أصيلاً أو قريباً منهم تقل الثقة والتأثير. وقد توصلت دراسة في التسويق الرقمي إلى أهمية الأصالة والقدرة على خلق علاقة قابلة للتماهي باعتبارهما من أهم العوامل التي تدفع الجمهور للتفاعل مع المؤثر، مؤكدة أن الجمهور يفضل المؤثرين الذين يظهرون تجارب واقعية.
لماذا تلجأ العلامات التجارية إلى التسويق الاستفزازي؟
في عام 2018، أثارت شركة بينيتون للأزياء جدلاً واسعاً حول حملتها الإعلانية. إذ استخدمت صورًا لمهاجرين في البحر في خضم الجدل حول قضية المهاجرين في إيطاليا. نتيجة لذلك، أكدت منظمة الإغاثة غير الحكومية “إس.أو.إس ميديتيراني” (SOS MEDITERRANEE) أن كرامة الأشخاص يجب احترامها في الظروف كافة، وقالت إنه لا يجوز استغلال صور المعاناة الإنسانية لأغراض تجارية.

خصعت هذه الحملة لمعايير التسويق الاستفزازي، إذ اتبعت استراتيجية استخدمت فيها الصور والأفكار غير التقليدية المثيرة للجدل لجذب انتباه الجمهور وإثارة النقاش حول القضية. وكانت الفكرة الأساسية تعتمد على الصدمة أو الاستفزاز، ما يجعل الرسالة أكثر قابلية للتذكر والمشاركة والتفاعل.
لذا ببساطة، يهدف التسويق الاستفزازي إلى جذب الانتباه بسرعة في سوق مليئة بالإعلانات، وخلق نقاش عام أو جدل إعلامي حول العلامة التجارية، وزيادة الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى ترسيخ صورة جريئة أو مختلفة للعلامة التجارية. وهذا الهدف الأخير الذي حرصت العلامة التجارية على استهدفه من خلال “علبة كحك بـ39 ألف جنيهًا”.
لكن يعد التسويق الاستفزازي سلاحًا ذا حدين، إذ يمكن أن يحقق انتشارًا هائلًا بسرعة، لكنه يحتاج إلى فهم عميق للجمهور والسياق الثقافي حتى لا يتحول الاستفزاز إلى أزمة اجتماعية. بالطبع يترك هذا النوع أثرًا قويًا في نفوس الجمهور. وقد وجدت دراسة بعنوان “الإعلانات الصادمة لعلامات الوجبات السريعة الفاخرة في الأسواق الناشئة” شملت 1200 مشارك حول الإعلانات المثيرة للجدل أن الإعلانات الاستفزازية والصادمة أو المحفزة للمشاعر تحظى بتقدير نسبي أكثر من الإعلانات التقليدية.
يعني ذلك أن الإعلانات الصادمة تزيد بالفعل الانتباه، وترفع الاهتمام، وتعزز الرغبة سواء في الشراء أو معرفة المزيد حول العلامة التجارية، وتزيد الاستجابة الفعلية، فلماذا تعد سلاحًا ذا حدين؟
تكمن مخاطر هذه الحملات في الاحتمالات المترتبة عليها، إذ يمكن أن تخلق رد فعل عكسيًا أو مقاطعة للعلامات التجارية لا سيما في حالة فهم الرسالة بطريقة خاطئة أو تفسيرها بصورة سلبية، ما يضر بسمعة العلامة التجارية إذا تجاوز الأمر الحدود الثقافية أو الأخلاقية. وهذا ما أكدته بعض الدراسات التي كشفت أن استخدام الإعلانات الصادمة قد يؤدي إلى تقييم أقل إيجابية للعلامة التجارية خاصة عندما يكون المنتج في فئة عادية اجتماعيًا – كما يحدث في حالة علبة كحك بـ39 ألف جنيهًا – كما بينت أن مشاعر الاشمئزاز أو عدم التوافق مع الإعلان يمكن أن تقلل من تقبل المستهلك للعلامة التجارية نفسها.
في النهاية، أصبح الجمهور واعيًا لمثل هذه الاستراتيجيات التسويقية، لكن مع أوضاع اقتصادية وسياسية إقليمية وعالمية تهدد أسعار السلع الأساسية في مصر بالارتفاع المستمر، يأتي الإعلان عن علبة حلوى للعيد تناهز 40 ألف جنيهًا بمثابة إثارة للجدل تارة والسخط تارة أخرى. نعم هناك العديد من الفئات المستهدفة التي يمكنها شراء هذه العلبة، لكن هل ترى مثل هذه الإعلانات؟ فالمعروف أن عملاء الفئة الفاخرة لا يتأثرون بالإعلانات التقليدية الجماهيرية، لذا تتبنى العلامات التجارية استراتيجية التسويق غير المباشر للرفاهة خصيصًا لهم.
اقرأ أيضًا:













